أحمد بن علي القلقشندي
306
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
ولم لا يتّخذ مولانا حمو النّيل وبرده رحلة الشّتاء والصّيف ؟ ؛ وهو في المبادرة إلى علوّ المعالي وغلوّ المعاني ، وانتهاز الفرص في بلاغ الآمال وبلوغ الأماني : عجب من عجائب البرّ والبحر ونوع فرد وشكل غريب ! نعم : من قاسكم بسواكم قاس البحار إلى الثّماد ! أعلى الأنام في العلوم قدرا ، وإمام النّحاة من عهد سيبويه وهلمّ جرّا ، وشيخ العروضيين على الحقيقة برّا وبحرا : وشيخ سيحون والنّيل والفرات ودجله وشيخ جيحون أيضا وشيخ نهر الأبلَّه ! أي واللَّه : أقولها لو بلغت ما عسى : الطَّبل لا يضرب تحت الكسا ! لا مخبأ لعطر بعد عروس ، أنت أعوم في بحور الشّعر من ابن قادوس ( 1 ) ، وأصلح إذا حدّثت من صالح بن عبد القدّوس ، وأشهى إذا هزلت من ابن حجّاج إلى النّفوس : ولو أنّ بحر النّيل جاراك مازحا وحقّك ما استحلى له الناس زائدا ! نعود إلى ما كنّا فيه من وصف النيل ، وذكر حاله الذي أصبح كما قال ابن عبد الظَّاهر : كوجه جميل : فلو رآه مولانا وقد هجم على مصر فجاس خلال الدّيار ، ودخل إلى المعشوق فتركه كالعاشق المهجور لم ير منه غير
--> ( 1 ) هو محمود بن إسماعيل بن حميد الدمياطي : منشيء من الشعراء . كان كاتب الإنشاء بمصر . كان القاضي الفاضل يلقبه بذي البلاغتين - الشعر والنثر - توفي سنة 553 ه . ( الأعلام : 7 / 166 ) .